ملـــــ منتديات ولد الكويت ـــــكة
07-31-2008, 07:44 PM
بدت "الكرامة" محورية في مسألة تقديم الرئيس السوداني للمحكمة الجنائية الدولية في قضية دارفور. الرئيس في جولاته الميدانية التالية قال "الكرامة"، والمحلل السياسي العربي قال "الكرامة"، وضمناً كانت "الكرامة" موجودة في معظم تصريحات السياسيين العرب عندما تحدثوا حول الموضوع، حتى المعلق السياسي الأجنبي أشار إلى أهمية "الكرامة" بالنسبة للطبيعة النفسية والشخصية للرئيس السوداني.
كرامة مَن؟ كرامة الرئيس؟ كرامة الناس؟ كرامة الدولة؟ من هيَ الدولة؟ ما شكل كرامتها؟ هل تشبه شكل كرامة الرئيس أم كرامة الناس؟ لكن لماذا توجد كرامة منفصلة للرئيس عن كرامة الناس؟
مُحيّرة مسألة الكرامة في اللغة السياسية العربية، الجماهير تصرخ "كرامة العرب"، وتلح عليها كخصيصة مميزة لمن هم عرب وما هوَ عربيّ (بما يعنيه هذا ضمناً لا صراحة من أن الأعراق الأخرى لا يميزها هذا الشعور المرهف بالكرامة، أو على أفضل تأويل تملك مفهوماً مختلفاً لها)، وتَرِد في هذه اللغة السياسية مرتبطة بمجموعة من المفاهيم الأخرى، كالإسلام، والرجولة، والتاريخ العريق (وكلها لا تقل في عموميتها عن عمومية مصطلح الكرامة).
والمُحيّر أنه رغم كل هذا الاجتهاد في التخصيص والحصرية اللغوية فإن النتيجة العملية هيَ أن "الكرامة" التي تُنتجها السياسة العربية والسياسي العربي؛ لا تعني مفهوماً واضحاً ولا تمثل قيمة ملموسة في حياة هذه الملايين من (العرب).
وللنظر متى تنتفض الكرامة عندنا ومن أجل ماذا؟
في حالة السودان، تحدث الرئيس وكذلك الجامعة العربية عن الكرامة عندما أصبح الرئيس معرضاً للمحاكمة، ولكن لم تكن الكرامة موضع قلق أو مجرّد سؤال خلال سنوات الآلام في دارفور، الصورة الفانتازية بليغة، الكرامة العربية يمثلها إنسان واحدٌ شرط أن يكون في منصبٍ رئاسي أو ضمن هرم السُّلطة، ولا يمثلها 200 ألف قتيل من المستضعفين، وإن لم يكونوا عرباً إلا أنهم يحيون في قـُطرٍ "عربي" وضمن أشراط ومفاهيم الكرامة العربية. الفرد القوي في كفة وأمة لا إله إلا الله في الكفة الأخرى ما دامت ضعيفة. صورة بليغة وصريحة. لا تكون الصور عادة بهذه الصراحة. تُقدّم مسألة الكرامة أحياناً ضمن دراما فخمة تغري جمهور المواطنين المُهمَلين والمُستضعفين بشرائها، والتصديق أنها كرامتهم هم. مسائل تُحاط بالاحتفاليات الوطنية الضخمة مثل استعادة رفات "شهيد" أو استرداد بضعة أمتارٍ من التراب المهمل على الحدود.
ثم يندمج الجمهور مع سلطته في وحدة غريبة، في الاحتفال بهذه الكرامة الوطنية المستعادة. هذا يشبه كثيراً مشهد الرئيس الأمريكي وهو يستقبل باحترام رفات جندي مات محارباً من أجل أمريكا، أو مشهد الرئيس الفرنسي وهو يفاوض لأعوام من أجل استعادة رهينة فرنسية الدماء مخطوفة في أمريكا اللاتينية ويستقبلها في المطار. لكن الفرق الأساسي أنه بينما تمثل استعادة رفات المواطن الأمريكي بواسطة السياسي رمزاً لكرامة إنسانية مَحميّـة ومُـكرّسة بالنسبة للمواطنين الأحياء داخل الوطن؛ فإن استعادة الرفات العربية والتراب العربي ليس كذلك، ليس مجرّد رمز للكرامة الناجزة والمحمية، إنما هي وحدها الرمال والرفات ذات الكرامة، ولا شيء سواها، أما حقوق وحاجات المواطنين الأحياء التي تكفل لهم "العيش الكريم" فليست "الكرامة" والغريب أن يشتري المواطن العربي صنفاً بهذه الرداءة ولا أحد يعرف رداءته قدر ما يعرف هو. هل تشعر بالكرامة عند استعادة رفات "شهيد"؟
بينما لم تعد تشعر أن دخلك البائس الذي يوشك أن يحوجك إلى التسول جارحا لكرامتك؟ لم يعد خوفك من أي عسكري يملك سلطة ضربك وحبسك دون سبب، يؤذي كرامتك، هل حقاً إنك مستعد للدخول في حرب ملحمية مع الدولة "الشقيقة" على بقعة من التراب؟ هل تشعر أن كرامتك متعلقة بضعة الأمتار هذه؟ ألا تفضّل أن تنفض عنك هذا التراب والتفرّغ لشيء ما أجدى، مثل شق طريقٍ مُعبّدة مثلاً؟ كان يمكن القول إن اختزال مسألة الكرامة بهذه الرموز مؤامرة على المواطنين لإلهائهم عن الحياة البائسة، لكنّ هؤلاء المواطنين مستمرون في شراء الصنف ويكرهون من يحذرهم منه.
ترى لماذا؟ هل يحتاج العربي إلى نوع ٍ دراميّ من الكرامة؟ لكن الكرامة الإنسانية للأسف ليست درامية. الكرامة في الحقيقة لها شكلٌ واقعي. تُبنى بهدوء وتُتلمّس في مظاهر الحياة اليومية. ويصعُبُ اختزالها في لحظة أو إنسان، ويصعُبُ وضعها على مسرح وزفّها بالأناشيد الصادرة من حناجر رجولية، رجولية جداً.
أليست تؤدّي وظيفة مهمّة، هذه الكرامة؟ يتدرّع بها الرؤساء لحماية أنفسهم من تبعات أخطاء السلطة التي يقودونها منفردين. يتعزّى بأوهامها ملايين البشر عن مهانة حياة يومية بائسة. وعند اللزوم هي صنف قابل للتفاوض.
في آخر ملاحم الكرامة العربية، نرى كيف تثور الدولة - الأسرة من أجل كرامة الابن النزق في أوروبا ضد القانون المتين الذي ينصف خدم الابن ويقبل شكواهم من حيث هم بشر ذوو كرامة. كم يبدو بائساً أن تصير الكرامة الإنسانية موضوع تفاوض في نظر هذه الـ"أوروبا" عندما تدخل المصلحة الحيوية - النفط مثلاً - على الخط
كرامة مَن؟ كرامة الرئيس؟ كرامة الناس؟ كرامة الدولة؟ من هيَ الدولة؟ ما شكل كرامتها؟ هل تشبه شكل كرامة الرئيس أم كرامة الناس؟ لكن لماذا توجد كرامة منفصلة للرئيس عن كرامة الناس؟
مُحيّرة مسألة الكرامة في اللغة السياسية العربية، الجماهير تصرخ "كرامة العرب"، وتلح عليها كخصيصة مميزة لمن هم عرب وما هوَ عربيّ (بما يعنيه هذا ضمناً لا صراحة من أن الأعراق الأخرى لا يميزها هذا الشعور المرهف بالكرامة، أو على أفضل تأويل تملك مفهوماً مختلفاً لها)، وتَرِد في هذه اللغة السياسية مرتبطة بمجموعة من المفاهيم الأخرى، كالإسلام، والرجولة، والتاريخ العريق (وكلها لا تقل في عموميتها عن عمومية مصطلح الكرامة).
والمُحيّر أنه رغم كل هذا الاجتهاد في التخصيص والحصرية اللغوية فإن النتيجة العملية هيَ أن "الكرامة" التي تُنتجها السياسة العربية والسياسي العربي؛ لا تعني مفهوماً واضحاً ولا تمثل قيمة ملموسة في حياة هذه الملايين من (العرب).
وللنظر متى تنتفض الكرامة عندنا ومن أجل ماذا؟
في حالة السودان، تحدث الرئيس وكذلك الجامعة العربية عن الكرامة عندما أصبح الرئيس معرضاً للمحاكمة، ولكن لم تكن الكرامة موضع قلق أو مجرّد سؤال خلال سنوات الآلام في دارفور، الصورة الفانتازية بليغة، الكرامة العربية يمثلها إنسان واحدٌ شرط أن يكون في منصبٍ رئاسي أو ضمن هرم السُّلطة، ولا يمثلها 200 ألف قتيل من المستضعفين، وإن لم يكونوا عرباً إلا أنهم يحيون في قـُطرٍ "عربي" وضمن أشراط ومفاهيم الكرامة العربية. الفرد القوي في كفة وأمة لا إله إلا الله في الكفة الأخرى ما دامت ضعيفة. صورة بليغة وصريحة. لا تكون الصور عادة بهذه الصراحة. تُقدّم مسألة الكرامة أحياناً ضمن دراما فخمة تغري جمهور المواطنين المُهمَلين والمُستضعفين بشرائها، والتصديق أنها كرامتهم هم. مسائل تُحاط بالاحتفاليات الوطنية الضخمة مثل استعادة رفات "شهيد" أو استرداد بضعة أمتارٍ من التراب المهمل على الحدود.
ثم يندمج الجمهور مع سلطته في وحدة غريبة، في الاحتفال بهذه الكرامة الوطنية المستعادة. هذا يشبه كثيراً مشهد الرئيس الأمريكي وهو يستقبل باحترام رفات جندي مات محارباً من أجل أمريكا، أو مشهد الرئيس الفرنسي وهو يفاوض لأعوام من أجل استعادة رهينة فرنسية الدماء مخطوفة في أمريكا اللاتينية ويستقبلها في المطار. لكن الفرق الأساسي أنه بينما تمثل استعادة رفات المواطن الأمريكي بواسطة السياسي رمزاً لكرامة إنسانية مَحميّـة ومُـكرّسة بالنسبة للمواطنين الأحياء داخل الوطن؛ فإن استعادة الرفات العربية والتراب العربي ليس كذلك، ليس مجرّد رمز للكرامة الناجزة والمحمية، إنما هي وحدها الرمال والرفات ذات الكرامة، ولا شيء سواها، أما حقوق وحاجات المواطنين الأحياء التي تكفل لهم "العيش الكريم" فليست "الكرامة" والغريب أن يشتري المواطن العربي صنفاً بهذه الرداءة ولا أحد يعرف رداءته قدر ما يعرف هو. هل تشعر بالكرامة عند استعادة رفات "شهيد"؟
بينما لم تعد تشعر أن دخلك البائس الذي يوشك أن يحوجك إلى التسول جارحا لكرامتك؟ لم يعد خوفك من أي عسكري يملك سلطة ضربك وحبسك دون سبب، يؤذي كرامتك، هل حقاً إنك مستعد للدخول في حرب ملحمية مع الدولة "الشقيقة" على بقعة من التراب؟ هل تشعر أن كرامتك متعلقة بضعة الأمتار هذه؟ ألا تفضّل أن تنفض عنك هذا التراب والتفرّغ لشيء ما أجدى، مثل شق طريقٍ مُعبّدة مثلاً؟ كان يمكن القول إن اختزال مسألة الكرامة بهذه الرموز مؤامرة على المواطنين لإلهائهم عن الحياة البائسة، لكنّ هؤلاء المواطنين مستمرون في شراء الصنف ويكرهون من يحذرهم منه.
ترى لماذا؟ هل يحتاج العربي إلى نوع ٍ دراميّ من الكرامة؟ لكن الكرامة الإنسانية للأسف ليست درامية. الكرامة في الحقيقة لها شكلٌ واقعي. تُبنى بهدوء وتُتلمّس في مظاهر الحياة اليومية. ويصعُبُ اختزالها في لحظة أو إنسان، ويصعُبُ وضعها على مسرح وزفّها بالأناشيد الصادرة من حناجر رجولية، رجولية جداً.
أليست تؤدّي وظيفة مهمّة، هذه الكرامة؟ يتدرّع بها الرؤساء لحماية أنفسهم من تبعات أخطاء السلطة التي يقودونها منفردين. يتعزّى بأوهامها ملايين البشر عن مهانة حياة يومية بائسة. وعند اللزوم هي صنف قابل للتفاوض.
في آخر ملاحم الكرامة العربية، نرى كيف تثور الدولة - الأسرة من أجل كرامة الابن النزق في أوروبا ضد القانون المتين الذي ينصف خدم الابن ويقبل شكواهم من حيث هم بشر ذوو كرامة. كم يبدو بائساً أن تصير الكرامة الإنسانية موضوع تفاوض في نظر هذه الـ"أوروبا" عندما تدخل المصلحة الحيوية - النفط مثلاً - على الخط